رئيس تحرير بوابة "الجمهورية أون لاين"
فى وقت تتصادم فيه المصالح وتختلط فيه الحقائق بالأوهام وتتصارع فيه التحولات، أصبحت حرب العقول أخطر بكثير من حرب السلاح، لاسيما بعد أن أدركت القوى الكبرى أن المعركة الحقيقية ليست فى الميدان، بل هى السيطرة على الوعى الجمعي. والدليل ما يحدث حولنا فى بعض دول المنطقة التى لا تزال تعانى من التفكك نتيجة حملات التضليل والتشكيك وإثارة الرأى العام باستخدام منصات التواصل الاجتماعي. وفى قلب هذا المشهد تبرز مصر التى تتعرض منذ سنوات لأمواج من الشائعات والأكاذيب.
إن منطقتنا اليوم تقف على أعتاب مرحلة فارقة فى مواجهة هذه الظاهرة، فإما أن تكون قادرة على إدارة هذه المعركة الفكرية وتحصين شعوبها من الانزلاق وراء حملات التضليل، وإما أن تصبح رهينة لصراعات الآخرين. وأعتقد أن مصر، بما تملكه من رصيد هائل، قادرة أن تكون صمام الأمان فى وجه هذه الحملات بسلاح الوعى الذى يشكل خط الدفاع الأول فى مواجهة أهل الشر.. ومن هنا تبرز أهمية التوجيه الذى أصدره الرئيس عبد الفتاح السيسى للحكومة بإعداد تقرير كامل عن الإنجازات الفعلية فى كل القطاعات بالدولة وعرضه على الرأى العام خلال شهر أكتوبر المقبل. وأعتقد أن دور المثقفين والمفكرين وكل المهتمين بمصر وشؤونها يجب أن يكون حاضراً فى هذا المؤتمر لعرض كل الموضوعات والتحديات والمشروعات بكل شفافية، لاسيما وأن هناك من يسعى لإرباك وعى المواطنين.
لقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعى واحدة من أهم ساحات الصراع المعلوماتي، لأن المعلومة لم تعد تنتظر دقيقة واحدة، بل تنتقل فى ثوانٍ معدودة بين ملايين المستخدمين، وهنا تكمن الخطورة، لأن سرعة انتشار المحتوى لا تعنى بالضرورة صحته، وللأسف تنتشر المعلومة المثيرة أسرع من الحقيقة.
لذلك لم يعد الوعى مجرد رفاهية، والتفكير النقدى ليس ترفاً، والتحقق من المعلومة ليس خياراً فى زمن أصبحت فيه أخطر المعارك هى التى تدور داخل العقول، لأن المعلومة المضللة عندما تتكرر على نطاق واسع قد تخلق حالة من الشك والارتباك، وتؤثر فى طريقة رؤية المجتمع للأحداث، لأنه فى مثل هذا النوع من الحروب ليس المطلوب دائماً إقناع الإنسان بكذبة كاملة، وإنما قد يكون الهدف إغراقه حتى يفقد القدرة على معرفة الحقيقة. نحن ندرك أن خطورة السوشيال ميديا لا تكمن فى التكنولوجيا نفسها، وإنما فى طريقة استخدامها، لأن وسائل التواصل قد تكون وسيلة للمعرفة، لكنها فى الوقت نفسه يمكن أن تكون أداة لنشر الشائعات والأكاذيب، خاصة عندما يغيب الوعى والتدقيق، لذلك لم يعد امتلاك التكنولوجيا كافياً، بل أصبح الأهم فى عصرنا هذا هو امتلاك القدرة على استخدامها بوعي، والمجتمع الذى يحسن التفكير والتحقق لا يكون أبداً فريسة سهلة للتضليل.